الحريرية: غابت القضية، فغاب التنظيم والعصب

قرار الرئيس سعد الحريري إغلاق تلفزيون المستقبل، يمثل نقطة الذروة في المسار التراجعي للتيار الازرق، ويمكن معه الاعلان عن دخول الحريرية السياسية حالة فقدان الوزن أو التلاشي في إنتظار بديل طال غيابه.

في البدء، كان إنكفاء الرئيس الحريري الإبن عن دعم وسائل الإعلام المحلية والعربية وحتى الدولية التي ساهمت في صنع أسطورة الرئيس الأب في ذروة وهجه السياسي، عبر السخاء المادي والمعنوي على هذه المؤسسات والعاملين المؤثرين فيها والتضييق على الخصوم منهم.

ما لبث الأمر أن طاول الامبراطورية الاعلامية الخاصة بالحريرية  نفسها، من جريدة “المستقبل” إلى الشاشة الزرقاء مروراً بإذاعة “الشرق” وشبكة المواقع الإخبارية والنشرات المتعددة الشكل والنبرة، وكلها تعبّر عن صوت واحد. هذه المؤسسات دخلت مرحلة “الكوما” منذ سنوات، وتراجعت تدريجاً حتى بلغت مرحلة إعلان النعي الرسمي.

أما ذريعة التراجع، فهي الحديث عن أزمة مالية، لكنها ذريعة غير مقنعة بالكامل . برغم خروج سعد الحريري من قائمة “فوربس” الأميركية لأغنياء العالم، العرب منهم تحديداً، للمرة الأولى، في العام 2019، وفق الإحصاء الصادر في آذار/ مارس الماضي، فإن الرجل يبقى من الأثرياء الكبار في لبنان، فيما ثروات المستفيدين من “نعم الحريرية” ظاهرة للعموم من دون رتوش. في حين أن ثمة وسائل إعلام ما تزال تقاوم الأزمة المادية وأزمة المهنة وتثبت حضورها الجماهيري بأكلاف بسيطة ومعقولة يقدر عليها من هم أقل قدرة مادياً وسياسياً بأشواط من آل الحريري.

إذاً، أين تكمن المشكلة، هل هي في وسيلة إعلام راح البعض يهمس في إذن صاحبها أنها من دون فاعلية وتضم مسترزقين لا يعملون ويتعين التخلص منها ومنهم، أم في الحريرية السياسية نفسها؟

الانهيار الحريري في الاعلام سبقه إنهيار عدد كبير من المؤسسات والمشاريع المنتشرة في لبنان والخارج وبلغت ذروتها مع السقوط المدوي لـ”سعودي اوجيه” التي صنعت مجد رفيق الحريري، قبل أن تؤول إدارتها إلى إبنه سعد الذي أفقدها سعدها.

إنهيار الامبراطورية الإقتصادية والإعلامية للحريرية، ترافق مع نكستين إنتخابيتين متتاليتين، أولى في البلدية (2016) وثانية، في النيابية (2018).  ففي الإستحقاق الأول لم تستطع الحالة الحريرية في معقلها البيروتي أن تحسم وحدها الإمتحان من دون الإستعانة بالأصدقاء، في حين كانت الخسارة فاضحة في المعقل الطرابلسي. أما في الإستحقاق الثاني، فقد دخلت الحريرية في إختبار صعب، إذ جرت المعركة داخل البيت بعدما تجرأت شريحة واسعة من البيارتة على خوض مواجهة مباشرة معها أفقدتها عدداً من المقاعد كان مقدراً أن تبقى في حوزتها. والأخطر هو تدني نسبة الإقبال على التصويت ما عكس حالة من النفور أو الفتور لدى جمهور التيار في معاقله ولا سيما في العاصمة، علماً أن البيروتي له خصوصيته، فهو ليس سلفياً ولا وهابياً ولا متشدداً، بل يتأثر بمن يرعى مصالحه ويحافظ على خصوصية مدينته في وقت ترتفع أسئلة الشك بين المناصرين السابقين للتيار عما آلت إليه أحوالهم في مدينتهم. وكانت الحصيلة النهائية خسارة الحريري عدداً كبيراً من مقاعده وخسارته وحلفائه الأكثرية النيابية، ما جعل وجوده على رأس الحكومة رهن إرادة الآخرين.

أسباب عدة وضعت التيار الأزرق على طريق الإنحدار، ما هي؟

الإرث السياسي ليس مجرد عقارات وأصول مالية يمكن نقل ملكيتها، وتالياً فإن سعد الحريري ليس رفيق الحريري، والظروف التي صنعت شخصية الإبن ليست هي التي طبعت صورة والده

أولاً؛ الخلط بين الارث والميراث في السياسة

الإرث السياسي ليس مجرد عقارات وأصول مالية يمكن نقل ملكيتها، وتالياً، فإن سعد الحريري ليس رفيق الحريري، والظروف التي صنعت شخصية الإبن ليست هي التي طبعت صورة والده، وقد لخص ذلك  السفير الأميركي الأسبق جيفري فيلتمان في برقية سربتها، “ويكيليكس” عندما قال إن التوقعات في شأن دور سعد ومقارنته بدور والده تقود إلى “خيبة أمل”. فسعد يفتقر إلى المعرفة المحلية الأساسية التي كانت موجودة لدى والده. كذلك فإن الحريري الابن لم يعد يتمتع بالثروة ذاتها التي كانت موجودة بين يدي والده، إذ قُسّمت بعد إغتيال الأخير على ستة أشخاص.

ومقارنةً بدهاقنة السياسة الكبار في لبنان،  بدا الرجل للبنانيين أنه الأقل دهاء وحنكة وخبرة ومهارة في المناورة وقوة الشخصية. ولأنه لا يحمل أي من المؤهلات القيادية البارزة، فإن هذا ما جعل من وليد جنبلاط القائد الفعلي للحريرية السياسية عام 2005، ومن سمير جعجع رمزها  2019. وإذا كانت بساطته في التعبير ومزاحه وتلعثمه الخطابي شكلت سر نجاحه الشعبي (وخصوصاً في الوسط النسائي) في المرحلة الاولى من توليه الزعامة،  فإن التحسن الذي طرأ على  خطابه السياسي ولغته التي صارت ممزوجة بالخبرة والقدرة على التخاطب والتعبير لا سيما بعد حادثة الرياض (الإحتجاز في خريف 2017)، جعلته صورة طبق الاصل عن السياسيين التقليديين، وأفقدته بعضاً من خاصيته التي أحبها المواطنون العاديون.

وجاء الحصار المالي من الحلفاء، ليضعف الولاءات لا سيما بعد توقف المساعدات الاجتماعية والمدرسية والخدمات الطبية، التي كان يوفرها رفيق الحريري لآلاف العائلات من جمهوره الواسع. كما أدى الوضع المالي المتأزم إلى تسريح آلاف الموظفين والعمال، وتأخير رواتب آخرين، فضلاً عن إقفال مكاتب الخدمات في مختلف المناطق، وتبخر الوعود الانتخابية بإقامة مشاريع إنمائية في الشمال والبقاع والإقليم.

ثانياً؛ الابتعاد عن القاعدة

 شكلت فترة الغياب الطويل (2011ـ 2016) عن لبنان تحت عناوين أمنية، إنتكاسة أخرى للمسيرة الحريرية. إذ أحدثت فراغاً في القيادة، وضياعاً في أوساط القاعدة الشعبية، التي إفتقدت المرجعية السياسية، فضلاً عن إنتشار البطالة بين الشباب المسرحين من المهمات والأعمال، ما أتاح للخصوم فرص الاختراق والتغلغل في صفوف هذه القواعد. ولم يكن الحال أفضل بعد العودة، إذ صار التواصل فوقياً، يقتصر على مناسبات محددة أو عبر وسطاء غير أكفياء أو زمرة من الانتهازيين أصحاب المصالح. وبعدما كانت الحريرية، حالة عابرة للمناطق والعائلات والطبقات والفئات، صارت مجرد “تنسيقيات”.

ثالثاً؛ الخيارات السياسية الصادمة

دفعت وطأة الشغور الرئاسي وتعطيل مؤسسات الدولة لا سيما مجلس النواب، وإندلاع سلسلة من الأزمات الإجتماعية والإضرابات النقابية، بالنظام والدولة والطائف إلى مرحلة الخطر الشديد. وإزاء ذلك عمد الحريري إلى إتخاذ سلسلة من المبارات لكسر الجمود الرئاسي وإعادة تحريك مؤسسات الدولة. لكنها أتت بنتائج معاكسة لدى جمهوره وحلفائه. وكانت أولى هذه المبادرات ترشيح خصمه السياسي في فريق 8 أذار النائب سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية، الأمر الذي دفع بحليفه رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع إلى الإستدارة نحو خصمه الأول العماد ميشال عون وعقد تفاهم معه، وصولاً إلى تبني ترشيحه لرئاسة الجمهورية كردة فعل صاعقة لخيار الحريري بترشيح فرنجية. وكانت النتيجة الأولى لهذا الخيار ظهور حالات تمرد وإنشقاق داخل التيار الازرق أبرزها حالة الوزير السابق اللواء أشرف ريفي. أما الصدمة الأكبر التي تلقتها القواعد الحريرية، فكانت إعلان الحريري تبني ترشيح خصمه الأكبر ميشال عون رئيساً للجمهورية، والتي لا تزال تداعياتها قائمة حتى الآن داخل التيار ولدى جمهوره.

بدا الحريري من خلال بعض مواقفه السياسية والتنازل عن بعض المسلمات أن هدفه الوحيد البقاء في السراي وضمان حصته من كعكة المحاصصات الطائفية

وجاء قبول الحريري بقانون إنتخابي نسبي يلبي حاجة القوى الأخرى لا سيما حليفه الجديد رئيس التيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل بمثابة المطرقة على الرأس، إذ أفقده المرتبة الأولى في  الحصص النيابية وتالياً الحكومية. وبدا الحريري من خلال بعض مواقفه السياسية والتنازل عن بعض المسلمات أن هدفه الوحيد هو البقاء في السراي وضمان حصته من كعكعة المحاصصات الطائفية، ما إعتبر في بعض الأوساط الحريرية تخلياً عن صلاحيات موقع رئيس الوزراء وعن المكانة التي إكتسبتها الطائفة السنية في نظام الطائف.

رابعا؛ تمزق مظلة الحماية الاقليمية

السلطة في لبنان ليست مجرد ناتج لما يقدمه الصندوق الإنتخابي من تعبير عن وجهات نظر القوى المحلية، بل إن قواعد اللعبة تعكس توازنات إقليمية ومن ورائها توازنات دولية، وهذا ما جعل الحياة السياسية اللبنانية مكلِّفة جدًّا وتحتاج لأموال طائلة وإدارة علاقات خارجية مع دول، وليس مجرد الاكتفاء بنشاطات محلية في إطار الدولة الوطنية، وذلك خصوصاً بعد تعزز النفوذ الإيراني والسعودي بإمكاناتهما الكبيرة في مواجهة بعضهما البعض، فإنعكست الثنائية الإقليمية لطهران والرياض تقابلًا محليًّا لحزبين كبيرين: تيار المستقبل وحزب الله.

والحريرية السياسية لم تكن لتنجح في حكم لبنان بدون الرعايتين السعودية والسورية، وبدون التحالف مع ميليشيات الحرب الأهلية. لكن الأمور تبدلت بعد الخروج السوري من لبنان إثر إغتيال الرئيس الحريري الأب وصارت دمشق الخصم الأبرز للحريرية السياسية. وبعد الأحداث العنيفة في سوريا سارت الرياح هناك بعكس ما تشتهي السفن الحريرية، إذ ظل النظام السوري متماسكاً، مسقطاً كل رهانات الحريري وحلفائه الإقليميين على التغيير في دمشق. وترافق ذلك أيضاً مع تعرض الراعي الإقليمي السعودي لخسائر متلاحقة بدءاً من العراق وصولاً إلى سوريا وإنتهاء بالكارثة التي حلت بنفوذه في اليمن. ومع الإعلان الضمني السعودي للحرب على إيران، وخصوصاً على حليفها “حزب الله”، تعرض الحريري نفسه لصفعة سعودية إختلطت أسبابها بين المحلي السعودي وبين الشخصي والسياسي (إحتجازه في تشرين الثاني/ نوفمبر 2017 وإجباره على إعلان إستقالته من هناك). وكادت هذه الصفعة تكون قاتلة لولا التدخل الدولي في اللحظة الحاسمة والتفاف اللبنانيين حول رئيس حكومتهم.

لاحقا، أعادت عودة الحريري من الأسر بعض الروح الى حركته السياسية وجيَّشت التعاطف الشعبي معه. لكن عودته سالماً وإستقباله مجدداً في الرياض كرئيس حكومة دولة لن يكون بالضرورة فاتحة تجاوز ناجح لما كان عليه وضعه قبل “الصفعة”، لا بل بدا واضحاً أن الخيمة المادية والسياسية التي كانت توفرها المملكة للحريرية صارت شبه ممزقة وصار على الحريري البحث عن مظلة إقليمية أخرى لتوفير الحماية والدعم. وهو ما إنعكس سلباً على حركته برمتها.

قد نرى وجوهاً سنية سياسية مؤثرة تنطق بخطاب غير خطاب الحريري حتى من داخل الحريرية نفسها، وقد تمهد لعودة التنوع السياسي الى الشارع السني

خامساً؛ فقدان القضية

لا يمكن لحركة سياسية أو حزب العيش والإستمرار والإستقطاب من دون حمل قضية سياسية تكون رافعة لعصبويتها وتنظيمها وحشد الناس خلفها. لقد جعل الحريري الأب من قضية إعادة إعمار البلد قضية وطنية بإمتياز أسكتت كل خصومه السياسيين على الرغم من كلفتها الباهظة. وهذه القضية حولت رفيق الحريري من رجل أعمال ثري إلى زعامة سياسية طاغية في الساحة السنية ولها إمتداداتها الوطنية. وبعد إغتيال رفيق الحريري، تقدمت قضية الدم على قضية الإعمار، وترافقت مع إحتقان مذهبي لتشكل رافعة إنتخابية قوية في دورة 2005 وبلغت الذروة عام 2009 عندما حصد التيار الازرق منفرداً 34 مقعداً نيابيا ليشكل أكبر كتلة نيابية مستقلة في تاريخ البرلمان اللبناني، كما حقق مع حلفائه في فريق 14 أذار غالبية مريحة في مجلس النواب تخوله تأليف الحكومات بغالبية الثلثين. وأزاح بهذا الإنتصار الإنتخابي كل منافسيه في الساحة السنية. لكن مع مرور الوقت وتلاشي الإحتقان المذهبي وتماهي الحريري مع سياسات خصومه السابقين لا سيما “حزب الله” “والتيار الوطني الحر”، فقدت هذه القضية سحرها، وصارت الحريرية عارية بلا قضية، وأدى شح الأموال إلى تفكك الولاءات.

وفيما كانت الحريرية السياسية في لبنان تخسر رهاناتها الإقليمية، كان خصمها الأبرز أي “حزب الله” يحقق مع حلفائه المكاسب الميدانية، ويجعل من محاربة الإرهاب قضية جديدة مضافة إلى قضية ردع العدوان الاسرائيلي، في حين كان الخصم الآخر، أي “التيار الوطني الحر” يجعل من قضية إستعادة حقوق المسيحيين وإسترجاع صلاحيات رئيس الجمهورية، قضية رابحة في الوسط المسيحي.

هذه الأسباب مجتمعة من شأنها أن تضع الحريرية السياسية على منزلق شديد الإنحدار، لكن نظراً إلى غياب مشروع وطني بديل عن الحالة الطائفية، ونظراً إلى تعقيدات أي قانون إنتخابي تضعه  القوى السياسية الفاعلة، ومنها تيار المستقبل، على مقاسها، فإن الحالة الحريرية ستظل حاضرة في الساحة السنية في المدى المنظور، لا سيما وأن الشخصيات السنية المعارضة للحريرية يقتصر وجودها على المحليات إن في الشمال (نجيب ميقاتي وفيصل كرامي وجهاد الصمد) أو البقاع الغربي (عبد الرحيم مراد) أو صيدا (أسامة سعد)، وأظهرت تجربة “اللقاء المشترك” أن لا إمكان لتجميعها في إطار موحد من أجل إيجاد كتلة وازنة على إمتداد الخريطة اللبنانية.

كان يمكن لحراكات المجتمع المدني ولا سيما تجربة “بيروت مدينتي” أن تشكل نموذجاً مجتمعياً يمكن التعويل عليه سياسياً في وقت لاحق، لكن وباء الـ”أنا”، عجّل في إنهاء هذه الظاهرة ومثيلاتها. لكن زمن الحريرية لن يعود أبداً إلى عامي 1992 أو 2009، إذ بدأت أصوات سنية تغرد خارج سرب المستقبل، وقد نرى وجوهاً سنية سياسية مؤثرة تنطق بخطاب غير خطاب الحريري حتى من داخل الحريرية نفسها، وقد تمهد لعودة التنوع السياسي الى الشارع السني، كما درجت العادة في العهود ما قبل الحريرية.

 

Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy paid course

180Post