في عراء الروبوتات

هل يمكن للعالم أن يستمر على هذا النحو؟ سؤال يؤرق كل من يعمل عقله، ويفكّر في شؤون الحياة وشجونها، ويحلم بأن الغد يجب أن يكون أفضل من اليوم. فإذ به يرى العالم يرتد على عقبيه، ويهوي إلى أسفل، على الرغم من كل الذكاء التكنولوجي والتقدّم العلمي.

المفارقة المؤلمة أو الطامة المحزنة، أننا كلّما أفرطنا في استخدام الأجهزة الذكية ازدادت عقولنا تخلّفاً أو جموداً، وكأنَّ الآلة التي ابتكرها الإنسان راحت تحلّ مكان الإنسان لا فقط في ميدان العمل، في المصانع والمعامل والمؤسسات الكبرى، بل أيضاً في ميدان التفكير. وإلّا كيف نفسِّر هذا التراجع الهائل في مستوى انتاج الفلسفات والأفكار والنظريات الإنسانية، وطغيان ثقافة السوق على كل ما عداها، وتحوّل الكوكب إلى سوبر ماركت معولم بفعل إدارته فعلياً من قبل الشركات العملاقة العابرة للقارات.

يكفي أن يكون شخص مثل دونالد ترامب رئيساً لدولة هي الأكبر من حيث حجم الاقتصاد والقوة العسكرية والصناعات الكبرى، كي ندرك في أي عالم نعيش. فالرجل الآتي من عالم الأعمال والمقاولات يريد إدارة العالم بوصفه شركة كبرى لا أكثر ولا أقل. لذا نسمعه يردد دائماً أرقام صفقات عقدها أو سيعقدها والأرباح التي يجنيها من علاقته بهذا الحاكم أو ذاك، غير آبه بأي معيار إنساني وأخلاقي في العلاقات بين الدول والشعوب، ولا حتى بين الأفراد. مرةً نسمعه يسخر من نائبة منتَخبة في بلاده بسبب أصولها الأفريقية، ومرةً أخرى يهزأ من بدانة رجل سمين لأنه ظنّه من معارضيه، وغالباً ما يستخدم منصته في “تويتر” لإهانة خصومه أو حتى معاونيه السابقين المطرودين من “بيته” الأبيض، أو لشتيمة الهاربين (المستقيلين) منه لأنهم وجدوه جحيماً!

الخبر الجيد في سلوك ترامب وسياساته وتصريحاته وتغريداته وانقلابه الدائم على نفسه وعلى مساعديه، أنه يكشف بوضوح وصراحة ونزق وتهور ما تحاول الرأسمالية اخفاءه أو التستر عليه، وهو سعيها الدائم إلى ما يمكن اختصاره بكلمة واحدة: المال. لا شيء غير المال في عقل هذا الرجل، وهو في الحقيقة العقل الفعلي والحقيقي للرأسمالية المعولمة، أو لما يسميه البعض رأسمالية الشركات.

وحسناً يفعل ترامب، لماذا؟ لأنه يُعرّي النظام الرأسمالي العالمي أو المعولم من كل الشعارات والأقنعة التي يتستر خلفها حين يبشِّر زوراً وبهتاناً بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، فيما ينتهك في الواقع كل تلك القيم سواء في تحويله الكائن البشري في مجتمعاته إلى مجرد برغيّ في آلته الضخمة المتوحشة، أو في امتصاصه لدماء البشر في كل مكان استطاع إليه سبيلاً، سواء أكان عبر الاستعمار المباشر أو من خلال تحالفه مع أبشع الأنظمة وأشدّها تخلّفاً وقمعاً وطغياناً، ويكفي بالنسبة لنا أنه زرع في وطننا العربي كيانه السرطاني الخبيث المسمى إسرائيل، وحاول محو شعب كامل عصيّ على المحو والاقتلاع هو الشعب الفلسطيني.

الرجل الآتي من عالم الأعمال والمقاولات يريد إدارة العالم بوصفه شركة كبرى لا أكثر ولا أقل

اليوم يبدو العالم على حقيقته التي قادته إليها العولمة الرأسمالية أو رأسمالية الشركات. منظومة جعلت من سياسة العقوبات للشعوب وللدول، وحتى للشركات المنافسة، جزءاً من ترسانة قوة تستخدم لتطويع الأنظمة والشركات التي ترفض الإنسياق والخضوع لمنطق الهيمنة الأميركية. فضلاً عن حقيقة الواقع الذي يزداد صعوبة لدى الجميع: تفاقم البطالة في معظم دول العالم، تراجع الخدمات التي تقدمها الدول لمواطنيها، ارتفاع منسوب العنصرية والشوفينية لدى كثير من الشعوب والمجتمعات، صعود اليمين المتطرف في أكثر من مكان، والأخطر إشعال الحروب هنا وهناك، خصوصاً في منطقتنا الواقعة دائماً على خط الزلازل الجيوسياسة.

يمكن للمحللين الاستراتيجيين وعلماء السياسة والاجتماع الغوص أكثر في تحليل عالم اليوم الذي نحيا في ظل مصائبه وأزماته، لكن تظل للمثقف، أياً كان ميدانه الإبداعي، هواجسه وتساؤلاته. إذ من غير المعقول ولا الممكن بقاء الحال على ما هو عليه. لا يمكن للإنسان أن يتجرد من إنسانيته، أن يتحول مجرد  آلة أو زبون في سوق العولمة. ففي رضائه بهذا الواقع تكمن بذرة فنائه. فما يسميها ستيفن هوكينغ “رَوْبَتتة” العالم (حلول الروبوت مكان الإنسان) ستقود حتماً إلى الفوضى والهلاك. وطالما بقي المال هو الرب الحقيقي، وليس فقط الهدف، للنظام الرأسمالي المعولم فإن النتيجة الحتمية هي المزيد من الحروب والإفقار والفوضى غير الخلاقة.

ما يحتاجه الإنسان اليوم قبل الغد، بل ما هو بأمسّ الحاجة إليه، انتاج فكر جديد يستند إلى فلسفات ونظريات تعيد الاعتبار للإنسان وحقِّهِ الحقيقي (لا الشعاراتي) في الحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة. فخيرات الأرض ينبغي أن تكون لكل بنيها، وهذا الأمر لا يتحقق سوى بولادة تيارات إنسانية عابرة للقارات والجنسيات، أو ما كنا نسميها يوماً تيارات أممية، تطيح بالخطاب العنصري والشوفيني المقيت، وتحمل هَمّ الإنسان أنّى كان وأياً كان. ومثل هذا الفكر الإنساني الذي تناضل لأجله الكثير من الحركات المعارضة والمعترضة هنا وهناك، يستطع متى تحوّل تياراً أممياً فعّالاً أن يصنع الفارق. ولن يخلو العالم من فلاسفة ومفكرين ومثقفين يحتاجهم العالم اليوم أكثر من أي وقت مضى!

‏فما يقوله الحدس قبل الوعي، والإدراك قبل المعرفة، أن الحياة لن تستمر على هذا النحو.

‏يجب أن تولد من هذا المخاض الموجع أفكار وفلسفات تنويرية تعيد الكائن إلى رشده، ترد له قيمته كإنسان، تحرره من براثن ثقافة السوق التي أفرغته من مضامينه الروحية والفكرية وجعلت  البشر مجرد روبوتات مبرمجة يتم تحديثها من بُعد لأجل مزيد من الاستهلاك!

 

Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy paid course free download

180Post