الحروب الدينية: بين الولي والحاخام.. معارك تشتعل وكنائسُ تَضيع وجنة مفقودة

لا شيء يناقض التطور العلمي الهائل في مجالات التكنولوجيا والسايبرنت، سوى الانكفاء صوب الأديان التي يستخدم رجالُها التكنولوجيا لخدمة معتقداتهم وايديولوجياتهم في سبيل القضاء على بعضهم البعض. وإذا استمرت الأمور على نحوها الراهن، فان جزءا لا بأس به من هذا الكون، وفي مقدمه الشرق الأوسط، يتّجه حتما الى دمار هائل بحثا عن جنّة مفقودة.

 لم تكن القرارات الشرق أوسطية للرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن نقل السفارة الأميركية من تل أبيب الى القدس، واعتبار القدس عاصمة أبدية لإسرائيل، وتشريع الاحتلال الإسرائيلي للجولان السوري المحتل وتأييد التهويد وزعزعة “الاونروا” وحق العودة، من قبيل الصُدفة أو لمجرد ترسيخ التحالف الأبدي مع إسرائيل، انما نتاجٌ معتقد ديني أعمق بين الانجيليين الاصوليين (البعض يصفهم بالصهاينة) واليهود المتشددين والسلطات الإسرائيلية المتعاقبة. مفاد هذا الاعتقاد أن عودة السيد المسيح لن تتم دون قيام الهيكل، وأن الهيكل لا يمكن أن يقوم إلا في القدس، وأن القدس لا يمكن أن تكون إلا يهودية.

يتزامن تعاظم دور الانجيليين الأصوليين، مع ثلاثة تطورات دينية خطيرة في العالم:

أولها؛ جعل الإسلام مقرونا بالإرهاب في أذهان الكثيرين، وتحميل أتباعه مسؤولية معظم الإرهاب العالمي. صحيح أن مسلمين سلفيين أو مغسولي الدماغ ساهموا في تقهقر صور الإسلام عبر تصرفاتهم الاجرامية، لكن قلة قليلة من المسلمين أو مُدّعي الاسلام هي التي مارست فعليا هذا الإرهاب وقتلت في دولها وفي الغرب والشرق، بينما إختفى الإرهاب الآخر عن الاعلام لضرورات السياسة (مجازر الروهينغا مثلا).

ثانيها؛ تشويه صورة الكنيسة الكاثوليكية العريقة، بحيث أنك لو ذهبت اليوم الى أي مكتبة أوروبية، ستجد أن نسبة كبيرة من الكتب المعروضة، تماما كما هو الشأن على الشاشات وفي الصحف، تتحدث عن ” التحرّش الجنسي”.  لا شك أن التحرّش جريمة مشينة وينبغي انزال أقصى العقوبات بفاعليها، لكن، هذا لا يبرر أبدا أن تُصبح الكنيسة بمجملها هدفا وصولا إلى تحطيم صورتها، خصوصا ان الفاتيكان اتخذ عقوبات صارمة بحق الرهبان المتحرشين.

الفرزلي: عقول أميركية وصهيونية تريد ضرب الكنيسة الارثوذوكسية لحسابات ضد روسيا ولحصر المرجعيات في الشرق بالفاتكيان ومكة تسهيلا لصفقة القرن

ثالثها؛ تقسيم الكنيسة الارثوذوكسية الروسية التاريخية العريقة بغية تفكيكها عبر منح كنيسة أوكرانيا استقلالها، ومن خلال التدخل الكبير لكنيسة القسطنطينية. وهذا ما يرى فيه الروس أصابع أميركية وما يؤكده مسؤولون ارثوذكسيون في الشرق ومنهم نائب رئيس مجلس النواب والسياسي اللبناني العتيق ايلي الفرزلي بحديثه عن عقول أميركية وصهيونية تريد ضرب الكنيسة الارثوذوكسية لحسابات ضد روسيا ولحصر المرجعيات في الشرق بالفاتكيان ومكة تسهيلا لصفقة القرن وغيرها. شكوكٌ يتبنّاها الدبلوماسي الروسي فاتسلاف ماتوزوف بقوله انه بعد انشقاق الكنيسة الارثوذوكسية بين اليونان وروسيا نتيجة احداث أوكرانيا، تتعرض الكنيسة الارثوذوكسية الروسية الى محاولة لاضعافها بشكل متعمد وخطير ولأسباب سياسية.

ما تقدم يعني انه مقابل ضرب الإسلام، وتشويه الكنيسة الكاثوليكية، وشق الكنيسة الارثوذوكسية، تُصبح النظرية الانجيلية الأصولية المتحالفة مع الأصولية اليهودية، جاهزة لاحتلال المشهد واسكات كل من يعترض على اكمال إسرائيل قضم فلسطين وتهويد الأرض والحجر والتاريخ والجغرافيا.

الانجيليون الاصوليون

في خطابه أمام “الاتحاد المسيحي من اجل إسرائيل”، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو:”ليس لدينا أصدقاء أفضل من المناصرين المسيحيين لإسرائيل، وأنتم انضممتم الينا لأننا نُمثّل هذا الإرث المشترك للحرية الذي يعود الى آلاف السنين”.

لكي نفهم تماما عن أي مناصرة يتحدث نتنياهو، يمكننا أن نقرأ أبرز الخطوات التي قام بها هؤلاء الإنجيليون الاصوليون، وذلك في كتاب “الإنجيليون الأميركيون، الشرق الأدنى ونهاية العالم” لمؤلفه وسام معكرون والذي نشرته جامعة القديس يوسف اللبنانية.

يقول المؤلف معكرون الآتي:

– مع إعلان وعد بلفور، رأى الإنجيليون المحافظون في الأمر انتصاراً شخصياً يسرّع رزنامة النبوّة للوصول إلى إعلان عودة المسيح ونهاية العالم.

– اعتبروا ان قيام دولة إسرائيل هو الحدث الأهم منذ العام 70 بعد الميلاد، سنة تدمير الهيكل.

– المنظمات الإنجيلية الأصولية توسّعت على امتداد الولايات المتحدة وجمعت ملايين الدولارات وصارت مجموعات ضغط كبيرة على الإدارة الأميركية.

– ظهرت فعالية الحركة الإنجيلية خلال حرب السويس (1956)، حين وجهت انتقادات للرئيس ايزنهاور بعد مطالبته بتراجع الإسرائيليين من سيناء، معتبرة أن طلب ايزنهاور يعارض ما يرسمه الله.

– كارل هنري، رئيس تحرير موقع “المسيحية اليوم”، نظم عام  1971  مؤتمرا في القدس، شارك فيه 1500 مندوب من 32 بلداً برعاية بن غوريون، وأُعلن فيه بداية التحالف الرسمي بينهما.

– مع وصول الليكود إلى السلطة في إسرائيل عام 1977، تنامت العلاقة بين الانجيليين وإسرائيل وتنامى ضغط اللوبيات على الإدارة الاميركية.

مازفنسكي: ترامب أراد لأسباب سياسية وانتخابية وليس دينية مغازلة الانجيليين الصهاينة واللوبيات المؤيدة لإسرائيل

دعم إجتياحي العراق ولبنان

نعرف أيضا أن مجموعات الضغط الانجيلية الأصولية التي أقامت أكبر سفارة لها في القدس، هاجمت حزب الله مرارا ودعمت بشدة اجتياح إسرائيل للبنان في العام 1982 ثم حرب إسرائيل ضد لبنان في العام 2006، واشترت صفحات كبيرة للدعاية في الصحف الأميركية نصرة لإسرائيل وشجبا لحزب الله وايران وكل من يناهض إسرائيل.

مع جورج دبليو بوش وتعاظم دور المحافظين الجدد، دعم الانجيليون اجتياح العراق “حتى ينتصر الخير” على حد تعبير قادتهم. فهم يعتبرون ان “العالم منقسم بين أخيار وأشرار”، ولا بد للخير (الذي يمثلونه طبعا) أن ينتصر ويهزم اعداءه في محور الشر.

 قبل جورج دبليو بوش بسنوات، كان الرئيس الاميركي السابق رونالد ريغان يقول :”أتمنى أن يكرّمني الله بأن أضغط على الزر النووي حتى تقع معركة هرمجدون وأساعد في العودة الثانية للمسيح”. كذلك كان الرئيس جيمي كارتر جزءا من هذه الحركة لكنه واجه غضبها حين نحا صوب السلام.

يتراوح عدد هؤلاء الانجيليين المحافظين ما بين 70 و80 مليونا في أميركا. هم يملكون جيشاً من الإعلاميين والصحف والمجلات ومحطات التلفزة، ولهم حضور من خلال مسؤولين مستشارين في البيت الأبيض والبنتاغون ومجلسي النواب والشيوخ، كما في السلك الدبلوماسي الاميركي.

يتمدد الانجيليون السلفيون بقوة صوب أميركا اللاتينية ودول افريقية وأوروبية وعربية. كان من نتاج هذا التمدد، أن رئيس البرازيل جايير بولسونارو قرر نقل سفارة بلاده أيضا من تل أبيب الى القدس ضاربا بعرض الحائط العلاقات التاريخية لبلاده مع العرب، والدور الكبير الذي لعبه البرازيليون من أصل عربي (خصوصا من أصل سوري ولبناني في نهضة البرازيل).

وتشهد البرازيل المعروفة تاريخيا بانها مع المكسيك خزّان الكاثوليكية عالميا، نشاطا مضطردا للانجيليين الذين يمتلكون أكثر من  14 ألف كنيسة ويتزعمهم الاسقف الملياردير أدير ماسيدو، وهم يتولون من خلال أحد الأساقفة حاليا رئاسة بلدية ساو باولو أي اكبر مدينة في البلاد. وليس أكثر دلالة على الارتباط بإسرائيل من أن الكنيسة الانجيلية شيّدت في ساو باولو معبدا مشابها لهيكل سليمان المفترض.

غاري بيرج: أعتقد  شخصيا أنّ دعم الانجيليين لترامب أدّى إلى انتقال الكثير من الإنجيليين إلى مكان مناقض، بحيث ما عادوا يُريدون التماهي مع هذه الحركة

ترامب انجيلي؟

سألتُ د.غاري بيرج، وهو بروفسور متخصص بعلم اللاهوت يقيم ويدرّس في نيويورك، عن سبب تأييد الانجيليين الأصوليين لدونالد ترامب، فقال: “يُمكن أن نقول بسهولة أنّ أكثر من نصف الإنجيليين بالطبع قد دعموا ترامب وهُم يدعمونه بشكلٍ قوّي. ترامب ماهرٌ بشكلٍ كبير في اكتشاف طائِفة ضمن قاعِدته الشعبية التي ستتجاوب مع بعض المفاتيح التي قد تُغضبها أو تُريحها. هو وعدهم بخطوات ترضيهم مثل معارضة الإجهاض والدعم الكبير لإسرائيل خصوصا لجهة التزامه الحاسم بنقل السفارة الى القدس.  لكن ما يصدمنا على مستوى الطائِفة الإنجيلية هو أنّ الإنجيليين كانوا مُستعدّين لوضع التزاماتهم الأخلاقية جانبا أمام رجلٍ يُشكِّلُ قزماً غير أخلاقي بكلّ بساطة، لذلك، فأنا أعتقد شخصيا أن دعم الإنجيليين لترامب، أدى إلى إنتقال الكير من الإنجيليين إلى مكان مناقض، بحيث ما عادوا يريدون التماهي مع هذه الحركة”.
يتابع بيرج :”توجد حول ترامب لجنة مُستشارين مُؤلّفة من إنجيليين غاية في المُحافظة هنا في الولايات المتحدة الأميركية، وهو يُصغي لما يقوله هؤلاء، لكننا نتحدّث عن مجموعة فيها مزيجٌ من الأشخاص. من جهة، لدينا بعض الذين ينتمون إلى النظريات الاقتصادية والسياسية المُحافِظة والسياسة الخارجية العدائية مع التزامٍ كبير حيال الجيش وكلّ ذلك يتمحور حول الالتزام الذي يعتبرونه التزاماً مُطلقاً حيال الكتاب المُقدّس، ومن جهة أخرى، نرى ترامب يصغي إلى هذه الاندفاعات والأفكار. لا أعتقد أنه يُصغي إليهم لأنهم مُستشارون روحيون بل هم يُمثلون جزءاً من قاعدته السياسية وبالتالي يُصغي لما يقولونه لأنه يريد أن يعرِف ما الذي تريد هذه القاعِدة أن تسمعه”. ترامب والقدس والانجيليون
قال لي البروفيسور نورتن مزفنسكي رئيس “المجلِس الدولي لدراسات الشرق الأوسط” وهو صاحب كتاب “الأصولية اليهودية في إسرائيل الصهيونية المسيحية – الأرض الموعودة” إنّ الرئيس الأميركي اعلن قراره بشأن القدس قبل أيام قليلة جدا من انتخابات ولاية الاباما الفرعية  لمجلس الشيوخ . ويضيف “كان  ترامب يدعم   شخصية متطرفة من المسيحيين الصهاينة، وصودف أن المسيحيين الصهاينة في الولاية نفسها  كانوا يدعمون الشخص عينه، لذلك، فان ترامب لم يكن مباليا بالناحية الدينية وانما بتوسيع شعبيته. وفي الفترة نفسها، كان السفير الاميركي في إسرائيل دافيد فريدمان يؤكد ضرورة استبدال عبارة الأراضي المحتلة في الضفة الغربية بـ”الأراضي المحررة”، فيما رأينا رجل الأعمال الثري جدا واليهودي المتطرف شيلدون أيدلسون صاحب اكبر الكازينوهات في لاس فيغاس يتبرع بالملايين لحملة ترامب ويقول انه مستعد لتقديم 35 مليون دولار اذا نقل ترامب السفارة الى القدس واعتبرها عاصمة ابدية لإسرائيل. أقول ذلك لأؤكد ان ترامب أراد لأسباب سياسية وانتخابية وليست دينية مغازلة الانجيليين الصهاينة واللوبيات المؤيدة لإسرائيل”.

انجيليون ضد انجيليين

من حسن حظ الفكر الإنجيلي الصافي، ان كنائس انجيلية كثيرة تعارض هذا الشطط في التفسير الديني وفي الدعم الأعمى لإسرائيل. وحسناً فعل محمد السمّاك أمين عام لجنة الحوار الإسلامي المسيحي بتسليطه الضوء على هذا التباين، فشرح أنّ الكنائس المسيحية الكاثوليكية والأرثوذكسية وكثير من الكنائس الإنجيلية، “تقف ضدّ هذه الحركة الصهيونية المسيحية، وأن مجلس كنائس الشرق الأوسط الذي يمثّل كنائس الشرق جميعها كان قد أصدر بياناً لاهوتياً مبنياً على العقيدة المسيحية ضدّ هذه الحركة”.

وكان لافتا للإنتباه أن بابا الفاتكيان، قال خلال الحملة الانتخابية لترامب والتي ساعده فيها الانجيليون الاصوليون مقابل شروط دينية وسياسية وبينها ما يتعلق بفلسطين:”ان الشخص الذي يريد بناء الجدران لا الجسور، لا يعد مسيحيا، صوتّوا له أم لا، هذا شأنكم أنا لا أتدخل في هذا الامر، لكن أقول فقط أنه ليس مسيحيا”. لعلّ الحبر الأعظم أراد أن يلفت النظر ولو على نحو غير مباشر الى خطر هؤلاء الانجيليين الأصوليين في دعم سياسات تسيء الى المسيح وأرضه.

الدين لاحتلال العراق وتدمير سوريا

يوما بعد آخر، يبرز عامل الدين في احتلال العراق وتفكيك المنظومة العلمانية البعثية من بغداد الى دمشق. فجورج بوش الابن الذي انتقل من حياة العربدة والمجون والسكر بفضل زوجته الى الكنيسة، كان يقول عن القسيس الذي تتلمذ على يده (القسيس بيلي غراهام) انه “الرجل الذي قادني الى الرب”، وهو نهل من فكر ابنه فرانكلين الذي يكره، كما والده، المسلمين.

بوش نفسه، كان قد انخرط في صفوف اليمين الإنجيلي الصهيوني في منطقة الجنوب الأميركي، وحين وصل الى البيت الأبيض، كان يستهل نهاره بقراءة الكتاب المقدس الذي يشمل التوراة والانجيل، وتأثر كثيرا بالقسيس اوزوالد شامبيرز الذي يقال انه مات في مصر في العام 1917 وهو يدعو الجيوش الاوسترالية والبريطانية للزحف الى القدس وسحق المسلمين. وقد أحاط بوش نفسه بمستشارين من الانجيليين الصهاينة الذين سرعان ما تبين انهم أبرز صقور الحروب ضد العرب والمسلمين.

ميشال ريمبو: الأفكار المؤسِسة للاستراتيجيات التوسعية الأميركية هي التي قادت الى دمار العراق وسوريا من منطلق “الخير والشر”

في كتابه بعنوان “حروب سوريا”، يعود السفير الفرنسي السابق ميشال ريمبو الى أصل استراتيجية ربط الأفكار التبشيرية والدين برغبات الهيمنة السياسية والعسكرية، فيعود الى خطاب ألبرت بيفيريدج المقرّب من الرئيس ثيودور روزفلت أمام الكونغرس والذي يقول فيه:”إن الله جعل منّا أسيادا مُكلّفين بتنظيم نظام حكومي في العالم حيث تسود الفوضى، وأوحى لنا بفكرة التطور بغية سحق قوى الرجعية على الأرض”.

يعتبر ريمبو أن هذه الأفكار المؤسِسة للاستراتيجيات التوسعية الأميركية هي التي قادت الى دمار العراق وسوريا من منطلق “الخير والشر”، والتي نرى انعكاسا لها في الخطاب الإسرائيلي الذي يركز على فكرة “شعب الله المختار”. ويقول:”حاييم وايزمان الذي أصبح لاحقا رئيسا لإسرائيل قال في خطابه أمام مؤتمر فرساي في العام 1919:”ان التوراة شُرعتنا”، وهذا ما كرّسه الحاخام الأكبر لفلسطين في العام 1948 بقوله “لا أحد يمكنه المساس بدولتنا التي كرّسها الحق الإلهي”. يؤكد السفير الفرنسي السابق “أن هذه الشعارات نفسها تبنّاها المسيحيون الصهاينة” لاحقا.

لعلّ كبار المنظّرين الغربيين وفي مقدمهم أرنولد توينبي وبرنارد لويس وصموئيل هانتغنون، عكسوا في مؤلفاتهم جزءا كبيرا من هذه النظرة الغربية الى مستقبل العالم، ولذلك، نجد خيطا رفيعا يتحدث عن حتمية صدام الحضارات بين حضارة غربية ثابتة ومتقدمة بالعلوم وبين حضارات أخرى مضطربة وفي مقدمها الحضارة الإسلامية التي تريد اللحاق بالغرب أو الصدام معه.

وبغض النظر عن الأسباب السياسية والاقتصادية والنفطية الموجبة لاحتلال العراق استنادا الى كذبتي أسلحة الدمار الشامل وتعامل صدام حسين مع القاعدة (واللتين اعترف المحتلون أنفسهم بضلالهما)، فان فكرة “التبشير بالخير” التي رفعها جورج بوش الابن والمحافظون الجدد والانجيليون الصهاينة دغدغت عقول كثيرين، ولا تزال هذه الأفكار حتى اليوم تجد صدى كبيرا وأكبر من أي وقت مضى من خلال لوبيات مؤيدة لإسرائيل وللإنجيليين الأصوليين.

تكاد بعض روايات من قاتل منهم إسرائيل وهزمها في العام 2006 تربط الجزء الأكبر من الانتصار بهذا البعد الديني

الولي الفقيه ضد الحاخام

في خطابه الذي اختتم به مراسم عاشوراء 2019، ربط الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله ربطا وثيقا لا فكاك منه، بين استراتيجية المقاومة ومحورية الالتزام الديني والولاء المطلق لمرشد الثورة الإسلامية السيد علي خامنئي. قال نصرالله حرفيا :”نحن هنا من لبنان نقول للعالم كله ان إمامَنا وقائدنا وسيِّدنا وعَزيزنا وحُسينَنا في هذا الزمان هو سماحة آية الله العظمى الإمام السيد علي الحسيني الخامنئي دام ظله وان الجمهورية الإسلامية في ايران هي قلب المحور وهي مركزه الأساسي وهي داعمه الأقوى وهي عنوانه وعنفوانه وقوته وحقيقته وجوهره”.

تكتسب هذه الصفة الدينية بُعدا عميقا في ذهن نصرالله وأذهان القاعدة الحزبية. حتى لتكاد بعض روايات من قاتل منهم إسرائيل وهزمها في العام 2006 تربط الجزء الأكبر من الانتصار بهذا البعد الديني. ويروي المقاومون حكايات كثيرة عن رؤى في خلال المعركة، وعن صاروخ “كورنيت” كان يستهدف دبابة “ميركافا”، فأصاب بالصدفة منزلا اجتمع فيه جنود وضباط إسرائيليون.

وفي كتابه “الولي المُجدد”، يشرح نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ المثقف نعيم قاسم الأفكار التي نقلها عن خامنئي بالنسبة للبعد الايماني في قضية فلسطين. فنقرأ له ينقل عن مرشد الثورة قوله الآتي:

– إن قضية فلسطين بالنسبة للجمهورية الإسلامية ليست أمراً تكتيكياً بل هي أمر بنيوي أساسي ناشئ عن الاعتقاد الإسلامي.

– إن تكليفنا أن نحرّر هذا البلد الإسلامي من سلطة وقبضة القوّة الغاصبة وحماتها الدوليين ونرجعها إلى شعب فلسطين. إن هذا تكليفٌ دينيٌّ وواجبٌ على جميع المسلمين.

-إن  قضية فلسطين قضية عقيدية وقضية إنسانية وليست مجرّد قطعة أرض، هي ليست قضية سياسية أو قضية نفود إقليمي ودولي فهي قضية إيمان واعتقاد وهي ستتحرّر ويقيناً ستعود لأهلها.

هذا اليقين الإيماني بتحرر فلسطين يقابله في المعتقدات اليهودية والمسيحية الانجيلية الاصولية قناعة بدمار إسرائيل قبل عودة السيد المسيح. من الصعب فهم هذا الكم الهائل من الضغوط الأميركية والاسرائيلية على ايران، دون متابعة الدوافع الدينية المتجددة من قبل الانجيليين الصهاينة ومعهم عدد لا بأس به من المنظمات واللوبيات.

  الخلاصة

كل شيء قابل للتسويات الا القناعات الدينية. لعل موجات الإرهاب والتكفير الرهيبة التي اجتاحت المنطقة في السنوات الأخيرة وجلبت معها عقولا مغسولة من اكثر من 80 دولة، وعقولا أخرى جاهزة تستند الى تفسيرات غريبة ومُضلِّلة لنصوص اسلامية عريقة، كانت خير شاهد على قسوة ودموية هذه الحروب التي جعلت المسلم يُبسمل ويُحمدل وهو يذبح مُسلما آخر في شرقنا، والبوذي  المعروف بتسامحه يذبح المسلم ويهجّره ويهدم قراه في بورما، و”بوكو حرام” و”داعش” ينهشان أجساد المسلمين والمسيحيين من نيجيريا حتى أدغال افريقيا ومدنها، والمسلم الأيغوري الصيني والأوزبكي والشيشاني يُآخون المسلم الاوروبي في مذابح الدم في ما يصفونه بالجهاد الدموي لإقامة الخلافة العتيدة.

الآن ترتسم معالم مشهد متصاعد. محور المقاومة المستند خصوصا الى عمق ديني (شيعي في إيران وعند حزب الله، وسُني عند حماس والجهاد)، يواجه جنوحا يمينيا متطرفا ويهوديا متعصبا لم تشهده إسرائيل حتى في عز أيام عصابات الهاغانا وشتيرن. يدعم هذا الجنوح اليميني، أصوليون انجيليون وصهاينة.

طالما أن كل طرف يعتبر أن هذه فرصته الدينية والسياسية للانتصار على الآخر، فمن الصعب التفكير بمستقبل سلمي. الفارق الوحيد بين الطرفين، أن ثمة من يستخدم الدين للحفاظ على الأرض والمقدسات الإسلامية والمسيحية في مهد الأديان السماوية، وآخرون يستخدمون الدين لسرقة الأرض وتهويد الحجر والشجر والبشر والتاريخ والجغرافيا. فكيف لا نكون فوق برميل بارود في هذا الشرق الذي تحوّل الى مهد الحروب ولحد ناسها، بعدما كان مهد الأديان.

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
udemy paid course free download

180Post