عن اللبناني علي حمزة.. أسير معلّق المصير

هنا معتقل الخيام سابقاً. سيدة في منتصف الثلاثينيات ترتدي الأسود وتحتضن صورة ملونة لشاب أربعيني. تضج عيناها بالدموع والأسئلة. لا تتوقف عن الذهاب والإياب. تدقق في المكان. تحاول أن تشتم رائحة ما بين ثنايا التراب والبحص وما تبقى من معالم للمعسكر القديم. يقترب منها الأسير اللبناني المحرر نبيه عواضة عارضا مساعدتها، فتسارع للإجابة "أحاول أن أتذكر رائحة أبي، لعل جثته مدفونة في هذا المكان". سألها "ومن تكونين"؟ أجابته "إبنة الأسير علي عبدالله حمزة". كان عمرها ثلاث سنوات، عندما وقع والدها في الأسر.  

16 شباط/ فبراير 1986. تقتحم قوة إسرائيلية بلدة الجميجمة اللبنانية في قضاء بنت جبيل. توقف عدداً كبيراً من رجال البلدة، يافعين وكهولاً، وتجمعهم في الساحة، ووجوههم الى الجدران. أياديهم مرفوعة على رؤوسهم. تعتقل من بين هؤلاء “الأستاذ” علي عبدالله حمزة. ناظر المدرسة. رجل أربعيني، طويل القامة، أب لثلاثة أولاد: فتاتان وصبي. الصغرى عُلا لم تتجاوز الثالثة من العمر. البكر فادي في العاشرة. لم تفلح صيحات علي حمزة “أتركوني.. أنا شو عاملكم”، ولا استغاثة الزوجة أم فادي وهي تطارد سيارة جيب حشر فيها زوجها علي عنوة. “ارجعي الى البيت، عُلا لوحدها هلق بتبكي”.. هذه آخر الكلمات التي سمعتها أم فادي من زوجها عبر نافذة السيارة العسكرية التي أقلته، كما تبين لاحقا، الى معتقل الخيام.

لم تفلح صيحات علي حمزة للاسرائيليين “أتركوني.. أنا شو عاملكم”، ولا استغاثة زوجته قبل اقتياده الى المعتقل

جاء إقتحام بلدة الجميجمة غداة ما عُرفت بـ”عملية الأسيرين”، التي تمكنت فيها مجموعة من “المقاومة المؤمنة” بقيادة سمير مطوط في 16 شباط /فبراير عام 1986 من أسر جنديين إسرائيليين في كونين في قضاء بنت جبيل. حينذاك، إقتحمت قوات الإحتلال الإسرائيلي الجميجمة الواقعة بمحاذاة الشريط الحدودي المحتل. يومها، اقتيد علي حمزة إلى معتقل الخيام. أخضع للتحقيق، ووضع في زنزانة إنفرادية. تفاصيل إقامته هناك، يرويها رفاقه الذين عايشوه بعد الإنفرادي على مدى إثني عشر يوماً أمضاها في العنبر رقم 1، الزنزانة رقم 3.

إنتفاضة علي

 كانت ليلة باردة من ليالي آذار/ مارس من ذلك العام. حُشر الأسرى: أحمد سعد، عدنان العقيقة، حسن الجندي، نعمة الحوراني، وعلي عبدالله حمزة بزنزانة تبلغ مساحتها 180 سنتم طولاً * 180سنتم عرضاً ، “كنا ننام فيها كعب وراس” يقول الأسير المحرر عدنان العقيقة لموقع 180. الأربعة الأَول يعالجون ساعات ليلهم الطويل بالتسامر. أما علي، فيجلس على مصطبة الأسئلة.. ماذا أفعل هنا؟ لست مسيساً أو حزبياً. أنا أستاذ ولي حيثيتي.
لم تفلح نصائح رفاق علي في تهدئة روعه حتى غالبهم النعاس فناموا. عند الثالثة فجراً إستفاقوا عليه وهو يضرب رأسه بالحائط، وباب الزنزانة الفولاذي بيديه وراح يصرخ “بدي الجيش اللبناني، طلعوني من هون”، حسبما يروي الأسير أحمد سعد لموقع 180. لم يعد يحتمل الرجل وجوده في المكان الخطأ. “مش لازم كون هون”، كان يرددها باستمرار. رفض الأكل، كما الشرب. “كنا نهمس همساً كي لا نثير غضب الحراس، أما هو فقد أقدم على عمل لم يجرؤ عليه أحد”، يقول أحمد سعد.
ومع إرتفاع صوت علي حمزة، هرع الحراس الى الزنزانة. في البداية، تراجع حنا سلامة الملقب بـ”عويجان” أمام قوة بأس الأسير، ليتقدم من بعده جورج كرم القوي البنية. أطلق الأخير رصاصات في سقف الزنزانة ترهيباً ثم كبله، ووضع كيساً في رأسه، وإقتاده إلى ما تسمى “ساحة التعذيب”، يروي عدنان العقيقة.

إلى العامود.. الموت

هناك، عُلق علي عبد الله حمزة على عامود مخصص لتعذيب الأسرى يقع في زاوية الساحة الغربية. بقي معلقاً نحو ساعتين، تعرض خلالهما للضرب والركل. كان ينادي بأعلى صوته أولاده ” يا ولادي يا ويلكن من بعدي”. وغير بعيد عنه، كان الأسير حسن مواسي قد سبقه إلى درب الجلجلة هذا، بعد تحقيق إستمر معه 33 يوماً، حلّ موعد عذاب العامود الذي أُنزل عنه قبل وصول علي إليه بدقائق. في هذه الساحة، سمع حسن مواسي كل ما دار ليلتها في الزنزانة رقم 3. صراخ علي حمزة. مجيء حراس المعتقل، الشتائم التي كالوها له، إطلاق الرصاص. الضرب الذي تعرض له. “كنت بعيداً عنهم متراً، علقوه وبلشوا ضرب فيه حتى كسروه”.
يتفق الأسرى سعد وعقيقة ومواسي على أن تعذيب علي حمزة إستمر حتى حدود الخامسة والنصف فجراً، وأن صراخه بدأ يخفت شيئاً فشيئاً حتى إختفى. يقول مواسي لموقع 180: “إن آمر الحراسة في معتقل الخيام عامر الياس فاخوري، وبعد الضجة التي حصلت فجر ذلك اليوم، حضر إلى ساحة العامود، وشارك في التعذيب، وعندما خفت صوت علي، توجه أحد الجلادين إلى الضحية بالقول “هيك أفضل يا إبن ال…”. لم يتعرف حسن مواسي على هذا الجلاد، لكنه سمع أحدهم يقول “يلا شيلو.. يمكن مات”. ثم سمع أوامر إلى أحد “الكلفة” بوجوب غسل جروح علي حمزة. (“الكلفة” هو أسير يكلف من قبل إدارة المعتقل بتقديم خدمات لبقية الأسرى من طعام وشراب وغيرهما). عبارة “يمكن مات” سمعها أيضاً الأسير أحمد موسى سرور الذي سيق تلك الليلة من غرفة التحقيق إلى زنزانته.

عندما خفت صوت علي، توجه أحد الجلادين إلى الضحية بالقول “هيك أفضل يا إبن ال…”. لم يتعرف حسن مواسي على هذا الجلاد، لكنه سمع أحدهم يقول “يلا شيلو”

بعصا الرفش.. تنتهي حياة

يتذكر سرور أحداث ذاك الفجر:”كان الكيس الرمادي في رأسي، لكن الإنارة القوية في ساحة التعذيب كانت تتيح لي الرؤية من خلاله.. شاهدت علي حمزة معلقاً على العامود. كان يتعرض للضرب المبرح وللإهانات. كان شديد العنفوان، لم يكن رجلاً فقد عقله بل إنتفض على ظلم حل به”. يضيف سرور: “شاهدت عامر الياس فاخوري في غرفة بجانب العامود يشرف على التحقيق مع حمزة. كنا نسمع حينها أنه مسؤول جديد وأنه بدو يفرم الناس فرم”، ويردف سرور: “شاهدت أيضاً الحارسين حنا سلامة وطوني أبو سمرا يتولون تعذيب علي. طوني ضرب علي حمزة بعصا الرفش على رأسه، وسكت بعدها كليا. وبين قائل إنه مات وآخر ينفي ذلك، عاد الحراس وإنتبهوا إلى وجودي (أحمد)، ونقلوني إلى زنزانتي”.

“الكلفة” الذي غسل جروح علي حمزة كان الأسير المحرر خضر مراد. يروي الأخير لموقع 180 تلك اللحظات السريعة: “كانت الدماء تغطي كل أنحاء جسم علي؛ من شعره وعينين وأذنيه إلى ظهره وبطنه وصولا إلى قدميه. غسلت جروحه. كان يتنفس لكن بصعوبة”. بعد ذلك، أمر عامر الياس فاخوري بسحب حمزة الى الخارج وهكذا كان. “سحبوه بكتفيه ارضا إلى الخارج وأغلقوا الباب، ولم أعد أرى شيئاً، ولاحقاً أخبرني رفاقي في “الكلفة” الخارجية ( أي خارج ساحة التعذيب) أن علي حمزة وضع في سيارة وغادروا به إلى جهة لا نعرفها”.

الزيارات ممنوعة!

أيام وأسابيع مرت على ذلك الفجر من آذار/ مارس، كانت عملية تعداد أسماء السجناء تتم، وإسم علي عبدالله حمزة يتردد فيها. أشهر وسنوات طوال عبرت، وزيارات الأهل كانت تتم، وأغراض علي حمزة الخاصة (ملابس وغيرها)، كانت تؤخذ من أفراد عائلته من قبل إدارة المعتقل، لكنها ترمى في الزنزانة رقم 3. لم تبلّغ العائلة بالمصير الذي حل بعلي. كان يقال لها إن المواجهة ممنوعة. ثم بالتواتر، بدأت الأخبار السيئة تصل إلى زوجته و أولاده.

“كانت أمي تتوجه من الجميجمة الى الخيام لزيارة أبي في المعتقل عبر أحد المعابر”، تقول علا صغرى بنات علي عبدالله حمزة. من المعبر كانت تكمل مشياً حتى تصل الى أول قرية مأهولة. كانت تعاني الأمرين، ومع وصولها، يأخذون منها الثياب. يرفضون طلبها بمقابلة أبي. لا تبرير. فقط “ممنوع عنه الزيارات”. هكذا إلى أن أبلغها رياض العبدالله (أحد مسؤولي ميليشيا لحد في الخيام إبان فترة الاحتلال الاسرائيلي للجنوب اللبناني) بالآتي: “ما تعذبي حالك وتجي لهون، زوجك نقل الى إسرائيل”.
مع مرور السنين، ضاقت فسحة الأمل، إلى أن حل التحرير في العام 2000. فتحت أبواب الخيام، وسمع أفراد العائلة من أسرى محررين روايات عن فقدان أي أثر لعلي حمزة. أخرى تفيد بأن محققي المعتقل إستدعوا طبيباً لمعاينة حمزة بعد إنهياره ليلة التعذيب الشهيرة، وأن الطبيب قال لهم “بعد ما تخلصوا على الواحد بتعيطولي؟”.

علا التي لا مثيل لها

لا رواية نهائية بالنسبة إلى علا، “إذا قيل لي إنه في فلسطين أصدق. إذا قيل لي إنه توفي أصدق. المهم أن نعرف الحقيقة. لو بقي من أثره مجرد ظفر صغير أريده”.. علا صارت اليوم سيدة في السادسة والثلاثين من عمرها. لا تذكر من والدها غير صورته، وسيرته كرجل أحب العلم والعمل “كان يسافر بعد انتهاء العام الدراسي في الصيف الى السعودية للعمل مع أخوالي”. فقدت والدتها التي توفيت قهراً. أصيبت والدتي بالسكري والضغط باكراً، وعندما دنت منيتها كان لسان حالها يقول “أنا مبسوطة لأني رايحة لعند علي”.
ام علا عاشت وأخوتها بلا سند. لم تشعر بفقدان والدها إلا بعد موت والدتها قبل عامين. هي الأم والأب. 31 سنة من التفاني والعطاء والتضحية ومواويل العتابا لزوجها علي (عسى الله تعود.. عسى الله). المربي المثالي كان يريد أولاده متعلمين.. وهكذا كان. درسوا وعملوا وتزوجوا. منهم من سافر(الإبن)، وبقيت علا وشقيقتها في الجنوب. كل فترة، تزوران الخيام، بحثاً عن أثر أو دليل.

الأثر الذي تحدثت عنه علا لم تنجح العائلة في الحصول عليه حتى الآن. لا جهة سياسية أو حزبية تملك الجواب اليقين بشأن مصير علي عبدالله حمزة. حتى الأمل الذي حداها ذات يوم في العام 1996 عندما جرت عملية تبادل الأسرى بين حزب الله وإسرائيل لم تكن كفيلة بختم هذا الجرح. يومها، وصل الى معبر كفرتبنيت نعش يحمل إسم علي عبدالله حمزة. بعد فحص الحمض النووي، تبين لزوجته وعائلته أن الرفات تعود للأسير كمال قره علي من بلدة يحمر.
اليوم، تعوّل العائلة على المسار القضائي الذي فُتح مع إثارة قضية عامر الياس الفاخوري، أمام المحكمة العسكرية بناء على إخبار مقدم باسم تسعة أسرى محررين. آمرمعتقل الخيام عامر فاخوري عاد إلى لبنان في أيلول/ سبتمبر المنصرم على قاعدة مرور الزمن في الدعوى المقامة ضده بجرم التواصل مع العدو الإسرائيلي. لكن تحرك الأسرى المحررين، ومنهم من عانى شخصياً من الإنتهاكات التي أرتُكبت في الخيام تحت إمرته، غيّر مسار القضية، “وهي قضية ثابتة وقوية”، وفق المحامي معن الأسعد. “فشهادات الأسرى تثبت مسؤولية الفاخوري في ما تعرض له حمزة. والأخير بالنسبة إلينا إما مفقود أو مخطوف، والخطف هو جرم متماد في الزمن لا ينطبق عليه مبدأ مرور الزمن”.
ويؤكد الأسعد أن الروايات متضاربة بشأن مصير حمزة. “فمنهم من يقول إنه توفي وتم دفنه في مكان مجهول، وآخرون يقولون إنه نقل الى فلسطين المحتلة للعلاج، ومهما يكن من أمر فإن المسؤول عن اماطة اللثام عن مصير علي هو الفاخوري نفسه”.

 

Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
download udemy paid course for free

180Post