المضائق… قنوات تواصل أم ممر للأزمات؟

مع تصاعد التوتر الاميركي الايراني واحتدام الازمات في الشرق الاوسط، برزت قضية المضائق المائية، كقنابل موقوتة، لاسيما بعدما قررت واشنطن معاقبة طهران باضعاف اقتصادها عبر تصفير عائداتها النفطية، والرد الايراني بالتهديد باغلاق مضيقي هرمز وباب المندب، فهل تتحول المضائق والممرات المائية الى بوابات للازمات والحروب بعدما كانت تعد نقاط وصل وتواصل بين القارات والتكتلات الاقتصادية، وممرات للنقل والتواصل البشري بكل انواعه؟ نعرض في هذا التقرير، لابرز المضائق المائية في العالم، واهميتها الاقتصادية والسياسية وابرز ميزاتها مع لمحة موجزة عن الصراعات الدولية والاقليمية التي تدور حولها ومن شانها ان تفجر حروبا وأزمات.

مضيق هرمز:

يعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات المائية في العالم وأكثرها حركة للسفن، لما له من أهمية استراتيجية واقتصادية وتجارية كبرى لدول الخليج، فهو الرئة التي تتنفس من خلالها هذه الدول.

ويقع هرمز بين سلطنة عُمان وإيران، ويبلغ عرضه 60 كيلومتراً. ويُعتبر ورقة قوة لدى إيران، لكون قرابة 17 مليون برميل من النفط الخام تمرّ منه يومياً.

وسبق أن هددت القيادة الايرانية مراراً بإغلاق المضيق ردّاً على العقوبات الأميركية ضد إيران، وهو ما يعني منع تصدير كميات هائلة من النفط الخام للعالم، والتسبّب بأزمة وارتفاع أسعار النفط. وفي حال نفّذت طهران تهديداتها، سيؤدّي ذلك إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي في الأسواق العالمية، إضافة إلى التسبّب بانهيار اقتصادات بعض الدول التي تعتمد على هذه الواردات النفطية إقتصاديا.

وسيفتح وقف الملاحة في مضيق هرمز الباب أمام إمكان نشوب مواجهة عسكرية مع دول كبرى، خاصةً تلك التي توجد لها قطع بحرية بكثافة قرب المضيق.

وتاريخياً لم يستطع المضيق الإفلات من أطماع وصراعات الدول الكبرى للسيطرة عليه، فمنذ القرن السابع قبل الميلاد وهو يؤدّي دوراً دولياً وإقليمياً هاماً في التجارة الدولية. وقد خضع للاحتلال البرتغالي، ثم لسائر الدول الأوروبية، خصوصاً بريطانيا، لتنتشر الشركات الغربيَّة المتنافسة، ويتراجع الأمن مع غزوات القراصنة. وكانت بريطانيا تعتبر المضيق مفترق طرق إستراتيجية، وطريقاً رئيسيّاً إلى الهند.

مضيق باب المندب:

وفي الجهة الغربية المقابلة من شبه الجزيرة العربية، يقع مضيق باب المندب الذي يفصل البحر الأحمر عن خليج عدن والمحيط الهندي، كما يفصل بين قارتي أفريقيا وآسيا، وتحدّه من الجانب الأفريقي جيبوتي، ومن الجانب الآسيوي اليمن. وتأتي أهميّته من أنّه تمر عبره غالبية الصادرات من الخليج، ويتدفَّق نحو 4.8 ملايين برميل يومياً من النفط الخام والمنتجات البترولية المكرّرة(أرقام 2016) منه صوب أوروبا والولايات المتحدة وآسيا، وفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأميركية.

وتعتبر الطبيعة الجغرافية للمضيق إحدى نقاط الضعف فيه، بحيث يسهل استهداف السفن التي تمرّ فيه، إذ لا يتجاوز عرضه 20 كيلومتراً، في ممرّ يربط البحر الأحمر ببحر العرب، والمضيق ممرّ رئيسي يؤدّي إلى قناة السويس، التي يمرّ منها 12% من حجم التجارة العالميَّة.

وتعدّ قارّة آسيا الوجهة الجغرافية الرئيسة للنفط العابر من خلال المضيق، إذ استأثرت بأكثر من 85% من الصادرات البترولية، كانت حصّة الأسد فيها للأسواق النفطية في اليابان والصين والهند وكوريا الجنوبية.

ومن يتحكم بباب المندب، يتحكم أيضا بقناة السويس. وعندما أغلقته اليمن في حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973، أمكن لإسرائيل والولايات المتحدة أخذ العبر العبر والدروس، فتعهدا بأن لا يتكرر إغلاقه. نسقت الدولة العبرية مع جيبوتي وإثيوبيا، لمزاحمة الوجود اليمني فيه. كما زرعت جنودها في أرخبيل دهلك الإريتري. وصعدت نحو الجبال فأنشأت محطة تنصت على الأمبيا، أعلى قمة في إريتريا.

وتتسابق اميركا وبريطانيا وفرنسا وتركيا والامارات والسعودية ايضا للحصول على مطل على هذا الباب وعيونهم جميعا على ايران التي لم ترسل جنديا واحدا الى المنطقة لكن طيفها هناك هو الاقوى عبر حليفها اليمني الحوثي والفشل الذريع للثقل العسكري للتحالف في دفعه الى التراجع.

قناة السويس:

واذا كان باب المندب يشكل البوابة الجنوبية للبحر الاحمر، فان قناة السويس تشكل بوابته الشمالية نحو البحر الابيض المتوسط، وهي عبارة عن ممر مائي صناعي بين مدينة بورسعيد المصرية على البحر الأبيض، ومدينة السويس على البحر الأحمر، وتُقسم القناة إلى قسمين، شمال وجنوب البحيرات المرّة.

تسمح القناة بعبور السفن المبحرة من دول المتوسط وأوروبا وأميركا للوصول إلى آسيا دون سلوك الطريق الطويل، طريق رأس الرجاء الصالح. وتُعتبر القناة حالياً أهمّ مجرى ملاحي في العالم، حيث تتحكَّم بـ 40 في المئة من حركة السفن والحاويات في العالم.

وشكل هذا الممر نقطة جذب للقوى الاستعمارية، فقد تصارعت عليه فرنسا وبريطانيا سنوات طوال، بدءًا من حملة نابليون بونابرت عام 1798، حتى الاحتلال البريطاني عام 1882. كذلك حاولت تركيا الاستيلاء على القناة عام 1916.

وفي العام  1956، أعلن الرئيس المصري جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس كشركة مساهمة مصرية، ما دفع بالغريمين فرنسا وبريطانيا الى التحالف مع إسرائيل لشن العدوان الثلاثي على مصر. كذلك، تعطَّلت الملاحة في القناة اثر عدوان 1967. وبعد كل الصراعات الماضية، ينذر امتلاك السعودية لمضيق تيران باحتمالية سلب مكانة قناة السويس منها، وحلول القناة الإسرائيلية الجديدة مكانها.

مضيق جبل طارق:

يعد هذا المضيق أحد أهم المضائق المائية في العالم، إذ يقع بمحاذاة الأراضي الإسبانية، ويتمتع بحكم ذاتي ويتبع للتاج البريطاني، ونظرا لأهميته الاستراتيجية، سعت الإمبراطوريات والممالك التي حكمت المنطقة لبسط سيطرتها عليه.

يقع مضيق جبل طارق البحري بين شبه جزيرة إيبيريا شمالاً وشمال أفريقيا جنوباً، ويصل بين مياه البحر الأبيض المتوسط ومياه المحيط الأطلسي. يحدّ المدخل الغربي للمضيق كلٌّ من رأس سبارتيل (المغرب)، ورأس الطرف الأغرّ (إسبانيا).

وتأتي أهميته من كونه ممرّاً لعدد من الأساطيل البحرية التابعة لفرنسا وألمانيا وإيطاليا، الموجودة في منطقة جبل طارق، واستخدامه كقاعدة بحرية، وتعبره يومياً 250 سفينة وناقلة شحن عملاقة، أي ما يُقارب سدس التجارة العالمية، و5 في المئة من تجارة النفط العالميّة.

وبرزت اخيرا  أزمة حقيقيَّة بين بريطانيا وإسبانيا، بسبب مضيق جبل طارق، بعد تهديدات بريطانيا بإمكان التدخّل العسكري لإحكام سيطرتها على المضيق، خصوصا بعد بدء لندن إجراءات الخروج من الاتحاد الأوروبي بموجب اتفاقية “بريكست”.

مضيق رأس الرجاء الصالح:

وفي اقصى جنوب القارة الافريقية، يقع مضيق راس الرجاء الصالح، وهو رأس من اليابسة بالقرب من كيب تاون(جنوب أفريقيا)، يمتدّ في المحيط الأطلسي، وتمرّ منه السفن التجارية المتوجِّهة من آسيا وإليها.

وتكمن أهميَّة رأس الرجاء الصالح في كونه بديلاً من قناة السويس وباب المندب، كحلقة وصل بين الشرق الأوسط وأوروبا وأميركا، ولكن استخدامه يُضيف إلى مدَّة الرحلة من الشرق الأوسط إلى أوروبا نحو 15 يوماً إضافيًاً، ونحو 8- 10 أيام مدّة العبور إلى الولايات المتَّحدة.

وهذا الخيار كان يكلِّف الناقلات الكثير من الوقت والمال، لولا انخفاض أسعار الوقود العالميَّة مؤخرا، الأمر الذي جعل من الأوفر لبعض السفن اتخاذ رأس الرجاء الصالح بديلاً من قناة السويس، ولكن يلزمها التضحية بالوقت المضاف لرحلتها، ونقص بعض الخدمات التي قد توفّرها.

قناة باناما:

قناة باناما هي ممرٌّ مائيٌّ يصل ما بين المحيط الأطلسي والمحيط الهادئ، وتُعدُّ هذه القناة من أعظم الإنجازات الهندسيَّة في العالم؛ حيث ساهمت في تقصير مسافة رحلة السفن ما بين مدينة نيويورك وسان فرانسيسكو من 20.900 كيلومتر إلى أقلّ من 8.370 كيلومترا.

وخضعت منطقة القناة للولايات المتحدة بموجب اتفاقيَّة بين البلدين بدأت من سنة 1978، وكانت أحد أهم الأسباب التي ساهمت في تعزيز القوة العسكرية الأميركية، وانتهت سنة 1999.

وبعد نحو 85 عاماً من السيطرة الأميركيَّة على إدارة القناة، انتقلت إدارتها إلى لجنة مشتركة أميركيّة باناميّة، عام 1979، ثم تسلَّمت باناما إدارتها نهائياً، في 31 كانون الاول 1999.

وشكَّلت القناة سبباً رئيسياً لتوتّر العلاقات بين باناما والولايات المتحدة؛ بسبب الخلاف حول السيادة والتحكُّم في مراقبة القناة والمنطقة المحيطة بها، حيث قام سكان باناما عام 1964 باحتجاجات عنيفة بسبب منعهم من رفع علمهم قرب العلم الأميركي بمنطقة القناة. ودفع ذلك باناما حينها إلى قطع علاقاتها مؤقّتاً مع الولايات المتحدة.

طريق بحر الشمال (منطقة القطب الشمالي):

هو الطريق الذي أعربت واشنطن مرارا عن اهتمامها به، كونه يمر بمحاذاة القطب الشمالي، معلنة أن روسيا لا تملك الحق بأن تملي شروطها في تلك المنطقة.

وتشكل السفن، التي تحمل صواريخ مجنحة على متنها، وتمر عبر طريق بحر الشمال، خطرا على روسيا، لأنها قادرة فعليا على استهداف جميع المراكز العسكرية والسياسية في البلاد.

وفي الوضع الدولي الراهن، أصبح من الضروري بالنسبة لروسيا السيطرة على طريق بحر الشمال. ووضعت الحكومة الروسية قواعد مرور للسفن الحربية الأجنبية عبر طريق بحر الشمال، وبالتالي، ستضطر السفن الحربية لإعلام روسيا عن العبور قبل 45 يوما، كما تلزم هذه السفن باصطحاب دليل روسي معها.

مضيق كيرتش:

يقع مضيق كيرتش في الجنوب الروسي، وهو يربط بين بحر آزوف والبحر الأسود ويفصل القرم في الغرب عن شبه جزيرة تامان في الشرق ويبلغ عرضه 4 كيلومترات، كما له أهمية سياسية واستراتيجية كبيرة لكل من روسيا وأوكرانيا.

بدأ المضيق يشكل عثرة في العلاقات الروسية الأوكرانية في التسعينيات، لكن الوضع تفاقم في عام 2014، عندما عادت منطقة القرم إلى روسيا، ومنذ ذلك الحين، أصبح مضيق كيرتش جزءا من روسيا، ولكن يمكن للسفن الأوكرانية عبور المضيق، وفقا لقواعد القانون الدولي.

مضيق البوسفور:

على ضفاف البحر الاسود، ثمة ممر مائي شديد الاهمية هو مضيق البوسفور أو مضيق إسطنبول، يصل بين البحر الأسود وبحر مرمرة، ويلتقي مع مضيق الدردنيل، ليقسم بذلك تركيا إلى قسمين؛ أوروبي وآسيوي. ويبلغ طوله 30 كيلومترا، ويتراوح عرضه بين (550 متراً و3000 متر).

مياه مضيق البوسفور مصنَّفة ضمن مجال الملاحة الدوليّة، وتُعتبر حركة السفن بالمضيق واحدة من أهم نقاط الملاحة البحرية في العالم.

 

في مضائق بحور الصين… حرب عالمية باردة

في غمرة الانهماك الدولي بالاحداث الجارية على شواطىء البحر المتوسط، وبحر العرب والخليج، تدور في المقلب الآخر من الكرة الارضية، وعلى مضائق بحر آخر كبير ومهم، هو بحر الصين الجنوبي، رحى حرب باردة قد لا تكون ارتداداتها وتداعياتها الاستراتيجية اقل خطورة على العلاقات الدولية والاستقرار العالمي من تلك الجارية في منطقتنا وإقليمنا وبحارنا.

يربط بحر الصين الجنوبي العالم البحري للشرق الاقصى بمنطقة شبه القارة الهندية. هو بحر متجزّئ من المحيط الهادي ويمتد من سنغافورة ومضيق ملقة إلى مضيق تايوان. وتبلغ مساحته ثلاثة ملايين ونصف الكيلومتر مربع. ويساوي النفط الآتي من المحيط الهندي عبر مضيق ملقه باتجاه شرق آسيا مرورًا ببحر الصين الجنوبي حوالي ثلاثة أضعاف الكمية التي تعبر قناة السويس، ونحو 15 مرة مقارنة بالكمية التي تعبر قناة باناما. أضف إلى ذلك أن نحو ثلثي إمدادات الطاقة لكوريا الجنوبية و60 في المئة لليابان و80 في المئة لتايوان تأتي عبره.

والى مركزية الموقع الذي يتمتع به، يحتوي بحر الصين الجنوبي على نحو 7 مليارات برميل نفط كاحتياطي مؤكد، إلى نحو 900 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي، فيما يعتقد الصينيون أن باطنه يحتوي على كميات من النفط تفوق أي منطقة في العالم ماعدا السعودية. عدا عن الثروة السمكية الهائلة الموجودة فيه.

وقد تحالفت الولايات المتحدة مع معظم الدول المطلة على البحر، وغذّت الخلافات والتوتّرات في وجه الصين، لتجعل هذه الدول بحاجة إليها، فتخيفها من تفوّق الصين. وتحالفت خصوصًا مع الدول التي تتحكّم بمفتاح بحر الصين الجنوبي اي بمضيق ملقه الواقع بين جزيرة ماليزيا وجزيرة سومطرة بأندونيسيا، كما شجعت واشنطن فيتنام والفيليبين على احتلال أكبر عدد من الجزر المتناثرة فى أرجائه حتى تلك التى لا تزيد مساحتها عن بضعة كيلومترات للحد من نفوذ الصين هناك.

وهكذا صار هذا المضيق جزءًا من استراتيجية الولايات المتحدة تجاه الصين، ويبلغ طول المضيق نحو 800 كيلومتر، ويتراوح عـرضه من 50 إلى 320 كيلومترا، ويزيد من أهميته الجيوستراتيجية أنه يُعـتبر الممر الرئيسى لتزويد الصين واليابان وجميع الدول المطلة عليه بالنفـط، وتتعـاظم أهميته الجيوستراتيجية باستمرار ما دام مرتبطًا ارتباطًا مباشرًا بنمو المقـدرة السياسية والاقتصادية والعـسكرية للصين والمقـدرة الاقتصادية لليابان، إلى أنه يتحكم بصورة مباشرة فى الأوضاع الإستراتيجية لتكتلات شرق آسيا التى تُعـتبر من أهم التكتلات الاقتصادية العـملاقـة فى العالم، كما تطل عليه دول من أكثر دول العالم كثافة سكانية (الصين والهند وأندونيسيا إلى جانب اليابان التي تعـبر من خلاله صادراتها ووارداتها).

 

Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
download udemy paid course for free

180Post